نصر حامد أبو زيد
95
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
بصيغة الاستقبال « السين » ثم الاضراب باستخدام « بل » والحديث عن الساعة يكشف عن سياق النص أو مناسبة النزول . أن النص يساهم في الصراع المستعر بين المؤمنين والكفار وهو صراع كانت الغلبة فيه للكفار في المرحلة المكية ، ولذلك نجد النص يتوعد . وهذا هو حكم النص الذي نزل متزامنا معه إن أردنا استخدام مصطلحات القدماء . قد نقول إن هذا « الوعيد » قد تحول في سياق حركة الواقع - ومع إعادة قراءة النص والاستشهاد به في سياق جديد - إلى نوع من البشارة . لكن هذا التحول نوع من تطوير دلالة النص باتساع أفق القراءة ، وليس ذلك إلا أثر تطور حركة الواقع في قراءة النصوص وفي إعادة تأويلها . إن تطور وعي الجماعة يجعل من النصوص امكانية مفتوحة دائما للتعبير عن وقائع جديدة . من هنا تصح إعادة قراءة النصوص المكية في ضوء المرحلة المدنية . ولقد تنبه العلماء إلى أن الفصل بين المكي والمدني ليس دائما فصلا حاسما ، فمن النصوص المدنية نصوص تحمل خصائص النصوص المكية ، وكذلك من النصوص المكية نصوص تحمل خصائص النصوص المدنية . إن التحول من مرحلة إلى أخرى - على مستوى الواقع وعلى مستوى النص - لا يتم عبر طفرة ، بل هو تحول تدريجي . لذلك قد نجد في النصوص المكية ما يمكن أن يكون دالا على تطور لاحق في المرحلة المدنية . وفي هذا الصدد يشير العلماء إلى قوله تعالى : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ « 1 » وهي آية مكية باتفاق ، لكنها تتضمن من الألفاظ ما صار ذا دلالة شرعية في المرحلة المدنية مثل « كبائر الاثم » التي تعني كل ذنب عاقبته النار ، ومثل « الفواحش » التي تعني كل ذنب فيه حدّ و « اللمم » وهو ما بين الحدين من الذنوب « 2 » . لكن هذه الدلالات الجديدة لم يكن يمكن اكتشافها في النص إلا من خلال النص ذاته في تفاعله مع حركة الواقع حيث يطور النص اللغة لكي تلائم هذه الحركة . هذا بالإضافة إلى أن اكتشافها من النص لا يتم إلّا من خلال القارئ والمفسر ، أي من خلال جدل العقل الانساني مع النص . إن جدل العقل الانساني مع النص وما يؤدي اليه من اكتشاف دلالات جديدة في النصوص القديمة عملية لا تتم بمعزل عن دراسة سياق النصوص ، وهو السياق الذي يمكن أن نجده في « أسباب النزول » ، موضوع الفصل التالي .
--> ( 1 ) سورة النجم : الآية 32 . ( 2 ) انظر : الزركشي : البرهان في علوم القرآن الجزء الأول ، ص 196 - 197 .